ابن أبي العز الحنفي

68

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

مَشْهُورٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ . وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، مِنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ . وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي نَفْسِ التَّقَدُّمِ ، فَإِنَّ مَا يقَدَّم عَلَى الْحَوَادِثِ كُلِّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّقَدُّمِ مِنْ غَيْرِهِ . لَكِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ مَا يُمْدَحُ بِهِ ، وَالتَّقَدُّمُ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقٌ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّقَدُّمِ عَلَى الْحَوَادِثِ كُلِّهَا ، فَلَا يَكُونُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى . وَجَاءَ الشَّرْعُ بِاسْمِهِ " الْأَوَّلِ " . وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ " الْقَدِيمِ " ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ مَا بَعْدَهُ آيِلٌ إِلَيْهِ وَتَابِعٌ لَهُ ، بِخِلَافِ الْقَدِيمِ . وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى . قَوْلُهُ : ( لا يَفْنَى وَلا يَبِيدُ ) . ش : إِقْرَارٌ بِدَوَامِ بَقَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } ( 1 ) . وَالْفَنَاءُ وَالْبَيْدُ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ لِلتَّأْكِيدِ ، وَهُوَ أَيْضًا مُقَرِّرٌ وَمُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ : دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ ) . ش : هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَالْكَافِرُ أَرَادَ الْكُفْرَ . وَقَوْلُهُمْ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ ، لِمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْمَعْقُولَ الصَّحِيحَ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَدَرِ الْمَشْهُورَةُ ، وَسَيَأْتِي لَهَا زِيَادَةُ بَيَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَسُمُّوا " قَدَرِيَّةً " لِإِنْكَارِهِمُ الْقَدَرَ ، وَكَذَلِكَ تُسَمَّى الْجَبْرِيَّةُ الْمُحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ قَدَرِيَّةً أَيْضًا . وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى أَغْلَبُ . وأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ قَدَرًا - فَهُوَ

--> ( 1 ) سورة الرَّحْمَنِ الآيتان : 26 - 27 .